محمود توفيق محمد سعد
234
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
يقول عن " علم التناسب " : " وبه يتبين لك أسرار القصص المكررات ، وأنّ كلّ سورة أعيدت فيها قصة فلمعنى أدعى في تلك السورة استدل عليه بتلك القصة غير المعنى الذي سيقت له في السورة السابقة . ومن هنا اختلفت الألفاظ بحسب تلك الأغراض وتغيرت النظوم بالتأخير والتقديم والإيجاز والتطويل مع أنها لا يخالف شيء من ذلك أصل المعنى الذي تكونت به القصة " « 1 » وهذا من " البقاعيّ " أصل عظيم من أصول التأويل البيانيّ للقرآن الكريم ، ناظر إلى منزل السياق والغرض المنصوب له الكلام في فقه المعنى وتذوق البيان ، ودالّ على أنّ البيان القرآنيّ لا يقوم فيه تكرار عقيم بل هو إلى التصريف البياني في تصوير المعاني مما يمنح المتلقي فيضا من العطاء الدلالي يدفع عنه غائلة الملل والسأم ، فهو البيان الذي لا يخلق على كثرة الرّد ، ولا تنتهي عجائبه . ومما قاله في تأويل القصص في سورة " الأعراف " : " واعلم أنّه لا تكرير في هذه القصص ، فإنّ كلّ سياق منها لأمر لم يسبق مثله ، فالمقصود من قصّة " موسى " عليه السلام ، و " فرعون " عليه اللعنة والملام هذا الاستدلال الوجوديّ على قوله : " وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين " ومن هنا تعلم أن سياق قصّة بني إسرائيل بعد الخلاص من عدوّهم لبيان إسراعهم في الكفر ونقضهم للعهود . واستمرّ سبحانه وتعالى في هذا الاستدلال إلى آخر السورة ، وما أنسب " قوله سبحانه وتعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ( الأعراف : 172 ) لقوله عزّ وجلّ : وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ ( الأعراف : 102 ) وذكر في أوّل التي تليها [ سورة الأنفال ] تنازعهم في الأنفال تحذيرا لهم من أن يكونوا من الأكثر المذمومين في هذه . هذا بخلاف المقصود من سياق قصص بني إسرائيل في " البقرة " فإنّه هناك للاستجلاب للإيمان بالتذكير بالنعم ؛ لأنّ ذلك في سياق خطابه - سبحانه - لجميع النّاس بقوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( البقرة : 21 )
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 1 / 14